محمد جواد مغنية

37

معالم الفلسفة الإسلامية ( نظرات في التصوف والكرامات )

وإلا فكاذبة كقولك : الأرض ساكنة « 1 » . إذا تمهد هذا تبين معنا ان كل ما يمكن أن يعبر عنه ، إما أن يكون ضروري الثبوت ، وإما أن يكون ضروري السلب ، وإما أن لا يكون ضروري الثبوت ، ولا ضروري السلب . والأول هو الواجب لذاته ، والثاني الممتنع لذاته ، والثالث الممكن لذاته . وقد يعبر عن الثاني بالمحال أو المستحيل ، وعن الثالث بالجائز . وهذه الجهات الثلاث ، وهي الوجوب والامتناع والامكان - أمور اعتبارية لا وجود لها في الخارج ، وإنما يعتبرها العقل عند نسبة الوجود إلى الماهية . ثم إن كل واحد من الثلاثة يستحيل انقلابه إلى غيره ، فالواجب بالذات لا يصير ممكنا أو ممتنعا بالذات ، لأن ما بالذات لا يتغير . أجل ، الممكن بالذات قد يصير واجبا أو ممتنعا بالغير ، ومن هنا قالوا : إن الواجب على ضربين : واجب بالذات ، وهو ما كانت ذاته علة لوجوده ؛ وواجب بالغير ، وهو ما كانت علة وجوده خارجة عنه . وقد قيل إن الممكن ما لم يجب لم يوجد ، إلا بعلة « 2 » ، ومتى وجدت أصبح وجوده واجبا . والممتنع أيضا على ضربين ، ممتنع لذاته ، وهو ما كان وجوده مستحيلا بحيث لا يمكن أن يوجد بحال ، وممتنع بالغير ، وهو الذي امتنع لعدم توافر الأسباب ، كصعود الانسان إلى المريخ في سنتنا هذه 1960 . أما الممكن فلا يعقل أن يكون ممكنا بلحاظ غيره ، بل هو ممكن ذاتا ، وواجب عرضا ما دامت علته موجودة ، أو ممتنع عرضا ما دامت علته معدومة .

--> ( 1 ) الفرق بين الممكن والممتنع ان كلا منهما معدوم ، ولكن الأول معدوم غير قابل للوجود ، والثاني معدوم قابل له ، وبهذا يتميز عن المستحيل الذي لا يمكن وجوده بحال ، فالممكن له حظ من الوجود على العكس من الممتنع . والفرق بين واجب الوجود وممكن الوجود ان كلا منهما موجود ، لكن الأول موجود بذاته ، والثاني بعلته . ( 2 ) للممكن لحاظان : لحاظ باعتبار ذاته وهو ممكن بالذات ، ولحاظ باعتبار علته . وعليه يكون اما واجب الوجود إذا وجدت علته واما ممتنع الوجود إذا لم توجد علته .